الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

309

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أو شرعيا كأصالة البراءة أو الإباحة الثابتين بالشرع أو القاعدة الشرعية الثابتة في الشريعة كما إذا نسخ وجوب قتل فاعل بعض الكبائر فإنه يرجع إلى قاعدة تحريم قتل المسلم الثابتة بحكم الشرع بل العقل أيضا وأما إذا نسخ وجوب الصدقة عند النجوى فإنه يرجع إلى الاستحباب الثابت شرعا بل وعقلا لمطلق الصدقة وأما إذا نسخ وجوب صوم يوم معين فإنه يرجع إلى قاعدة الاستحباب الثابت لمطلق الصوم إلى غير ذلك وحينئذ فما ذكره المدقق المحشي في رفع المتقدم من تفسيره الحكم الذي كان قبل الأمر بالحكم الأصلي الذي يحكم به العقل من الإباحة أو الحظر الأصليين دون الحكم الشرعي الذي كان مرتفعا بالأمر المنسوخ ليس على ما ينبغي إذ قد عرفت أنه لا مانع من الرجوع إليه إذا كان ذلك الحكم أصلا شرعيّا وقد خرج عنه من جهة الأمر فإذا نسخ ذلك رجع الأمر إلى الأصل المفروض هذا وللذاهب بالنظر إلى ظاهر الحال خمسة أحدها القول ببقاء الجواز وهو يرجع إلى وجوه بل أقوال ثلاثة بقاء الجواز بالمعنى الأعم من الأحكام الأربعة والدائر بين الثلاثة حسب ما مر أو الأخص وبقاء الاستحباب ثانيها الرجوع إلى الحكم الثابت قبل الأمر ثالثها الخلو عن الحكم رابعها الرجوع إلى الحكم الثابت قبل الأمر من الإباحة أو الحظر العقليين خامسها ما اخترناه ويمكن إرجاع الأقوال الثلاثة المذكورة إلى الخامس وكيف كان فيدل على المختار أن الوجوب معنى بسيط في الخارج قد دل عليه الأمر فإذا فرض رفعه بالنسخ ارتفع بالمرة إذ ليس مركبا من أشياء أليق بإمكان ارتفاع المركب برفع بعض أجزائه حسب ما ذكره المصنف في الاستدلال الآتي وتوهمه القائل ببقاء الجواز فيما سيقرره من الاحتجاج على مذهبه نعم إنما يثبت له أجزاء تحليلية عقلية من الإذن بالفعل والمنع بالترك وغيرها إن ثبت كونها أمورا ذاتية له ومن البين أن ذلك لا يوجب تركبا بحسب الخارج بأن يكون هناك موجودات متعددة منضمة ليصح القول برفع بعضها دون بعض فالاشتباه في المقام أنما وقع من جهة الخلط بين التركيب العقلي والخارجي بل قد مر في كون الأمر من الترك من أجزائه العقلية أيضا حتى قيل بكونه من لوازمه البينة بالمعنى الأعم وإذا ثبت زوال الحكم المذكور من جهة النسخ بالمرة فلا بد فيه من الرجوع إلى الأصول والقواعد الشرعية أو العقلية حسب ما قررناه قوله أن الأمر إنما يدل على الجواز بالمعنى الأعم لا يخفى أن مدلول الأمر هو مفهوم الوجوب دون مفهوم الجواز غاية الأمر أنه يصح أن ينتزع العقل منه مفهوم الجواز ومجرد ذلك لا يقضي بكون الجواز مدلولا لفظيا له ولو سلم كونه مدلولا لفظيا له في الجملة فالقدر الذي يكون مدلولا له هو الجواز المتخذ من الوجوب المرتفع بارتفاعه وذلك لا يستلزم كون الجواز مع قطع النظر عن اتحاده بالوجوب مدلولا حتى يكون الجواز مطلقا أعني مفهوم الجواز في نفسه مدلولا للأمر فيعم الجواز المتحد بالوجوب وبغيره من الأحكام المضادة له فيكون الدلالة عليه باقية بعد ارتفاع الوجوب فيتوقف ببقائه حينئذ على ضم أحد القيودات المتقومة بها حسب ما توهمه في المقام ولو سلم كون الجواز المطلق مدلولا له بعد ارتفاع الوجوب فلا مانع من القول بدلالة عليه من دون ثبوت انضمام شيء من القيود إليه ألا ترى أنه يصح التصريح بالإذن في الفعل على سبيل الإطلاق الشامل للأحكام الأربعة من دون بيان شيء من الخصوصيات المنضمة إليه غاية الأمر أنه لا بد من كون ذلك الإذن متحققا بحسب الواقع في ضمن أحد الوجوه الأربعة المتقومة بواحد منها ومن البين حينئذ أن توقف حصول الإذن على أحد القيود المذكورة بحسب الواقع لا يقضي بنفي الإذن المدلول عليه بالعبارة مع عدم ثبوت شيء من تلك الخصوصيات فدفع دلالته على الإذن من جهة انتفاء الدليل على الخصوصية مما لا وجه له أصلا وحينئذ فقوله فادعاء بقائه بنفسه بعد نسخ الوجوب غير معقول كما ترى إذ المدعى حينئذ دلالته على الإذن بنفسه لا بقاء الإذن كذلك من دون انضمام شيء من الخصوصيات إليه بحسب الواقع هذا بناء على ظاهر عنوانه والمصرح به في كلام بعضهم من كون الكلام في الدلالة اللفظية نعم لو أراد بذلك دفع دلالته عليه من جهة الاستصحاب نظرا إلى أنه لما ثبت الجواز والمنع من الترك قبل النسخ من جهة دلالة الأمر عليهما كان قضية الاستصحاب بقاء الجواز الثابت إذ غاية ما يقتضيه له النسخ هو رفع الثاني دون الأول كان له وجه إذ لا يعقل استصحاب بقاء الجواز على ارتفاع ما يقومه ويمكن المناقشة فيه بأنه إن أريد من الحكم ببقائه بنفسه بقاؤه بشرط الأمن دون انضمام شيء من الخصوصيات إليه فالأمر كما ذكره إلا أنه ليس مقصودا لقائل بالبقاء قطعا ضرورة عدم إمكان وجود المبهم في الخارج فضلا من بقائه وإن أريد الحكم ببقائه لا بشرط شيء فلا وجه إذن لعدم معقوليته وغاية ما يلزم من إبهامه واشتراكه بين الأحكام الأربعة وعدم دخوله في الوجود من دون انضمام واحد من تلك القيود إليه ضرورة استحالة الحكم ببقائه من دون انضمامه شيء منها بحسب الواقع لا مطلقا فغاية الأمر أن يكون استصحابه مستتبعا لثبوت إحدى تلك الخصوصيات للإذن المفروض لعدم إمكان خروجه عن أحد تلك الأقسام والقول بأن وجود تلك الخصوصيات أيضا مخالف للأصول فيعارض أصالة بقاء الإذن مدفوع بأن يقال الإذن مستتبع لواحد منها قطعا ضرورة أنه لا بد من كون الإذن بحسب الواقع على نحو مخصوص فهو من لوازم بقاء الإذن ومن البين أن وجود لوازم الشيء وتوابعه وضرورياته لو كانت مخالفة للأصل لم يمنع من إجراء الاستصحاب في المتبوع وتعارضه وإلا لم يجر الاستصحاب في كثير من المقامات المسلمة عندهم ألا ترى أنه لا كلام عندهم في جواز استصحاب الحياة مع توقفه على أمور كثيرة وجودية الأكل والشرب وغيرهما فإنها وإن كانت مخالفة للأصل في نفسها إلا أنها لما كانت من شرائط [ توابع ] بقاء الحياة عادة لم يمنع من جريان الاستصحاب فيها قوله وانضمام الإذن في الترك إليه إلى آخره محصله أن الفصل الذي ينضم إلى الجنس المذكور حاصل في المقام فإن الإذن في الترك لازم لرفع المنع من الترك فيكون الإذن في الفعل قابلا للاستصحاب وتم المدعى إذ ليس إذن باقيا بنفسه بل بالفصل المفروض فإذا ثبت الفصل المذكور بما ذكرناه ثبت بقاء الإذن حينئذ بالاستصحاب وتم المدعى وأجاب عن ذلك بقوله موقوف على كون النسخ متعلقا بالمنع من الترك إلى آخره ويمكن تقرير ذلك بوجهين أحدهما أن مفاد رفع المنع من الترك هو الإذن في الترك دون دفع أصل الوجوب فإن كان النسخ متعلقا بخصوص المنع من الترك صح ما ذكر دون ما إذا تعلق بالمجموع ثانيهما أن انضمام الإذن في الترك إلى الإذن في الفعل موقوف على كون النسخ متعلقا بخصوص المنع من الترك إذ لو تعلق بالمجموع لم يعقل انضمامه إليه ويرد على الأول أن المنع من الترك مرتفع عند نسخ الوجوب قطعا فإما أن يكون هو المرتفع خاصة أو يكون المرتفع هو وغيره ومن البين أن رفع المنع من الترك في معنى الإذن فيه في الصورتين فلا فرق إذن بين الوجهين إلا أن يقال أن هناك فرقا بين تعلق الرفع بنفس المنع من الترك سواء لوحظ وحده أو مع غيره وتعليقه بمفهوم الوجوب فإن